في ليلة شديدة البرودة، تواصلت المذبحة. هل تذكر شعورك يوم مجزرة المعمداني؟ أين ذهب غضبك؟

في ليلةٍ شديدة البرودة، بينما كان عشرات آلاف النازحين في منطقة وسط خانيونس يتجهزون للنوم، باغتتهم أحزمةٌ نارية وقصفٌ عنيفٌ بالقذائف المدفعية ورصاص الطائرات المسيّرة، لتعم حالة ذعر ويهيم الآلاف على وجوههم في العتمة، والكلّ يصرخ فزعاً بأسئلة: “من الذي قُتل؟ من الذي نجا؟ أين المفرّ؟” بينما تخنقهم رائحة البارود ويلفهم غبار القصف.

في ليلة الأربعاء، الثانية بعد المائة من الحرب، كان عشرات النازحين متكدسين في منازل لجئوا إليها باحثين عن سقفٍ آمن، في حيّ الدرج في مدينة غزة، وفي مخيم الشابورة في رفح، قبل أن تُلقي طائراتٌ عابرة حممها عليهم، ويظلّوا تحت الردم حتى طلع الصباح، فوجدناهم بين شهداء ومفقودين وآخرين ربما كانوا أحياء ينزفون، لكن انقطاع الاتصالات والنقص الحاد بلوازم الإسعاف والدفاع المدني حال دون إنقاذهم، فاستشهدوا..

هي ليلةٌ من الليالي الأخرى التي ظن فيها العالم أنّ القصف هدأ، والمذبحة توقفت، والصراخ انتهى، حتى قطعها بكاء طفلة مذعورة: “تعبنا” ويمتزج صوت حشرجة بكائها مع صوت قذيفة الدبابة ترتطم بسقفٍ ما، بجسدٍ ما في الأفق.

في الـ24 ساعة التي سبقت صباح اليوم الأربعاء، اليوم 103 من الحرب، ارتكب الاحتلال 16 مجزرة في قطاع غزة، ارتقى بها 163 شهيداً و350 إصابة، هذا ما وثقته وزارة الصحة، ولا يُستبعد أن يكون الرقم أعلى من ذلك، فكما أن المجازر لم تتوقف، فإن جريمة الاحتلال في قطع الاتصال والإنترنت عن معظم قطاع غزة تتكرر، وهي مستمرةٌ هذه المرة منذ 6 أيام متواصلة، لذلك فالتوثيق صعب، وكثيرٌ من حالات القصف يمرّ دون أن نسمع بها.

هل تذكر شعورك يوم حدثت مجزرة المعمداني؟ ويوم حوصر مشفى الشفاء؟ ربما خفت غضبك لكن الجريمة لم تتوقف ولم تقلّ حدتها، فقد تقدمت دبابات الاحتلال فجر اليوم الأربعاء نحو مشفى ناصر في خانيونس، المشفى الأكبر العامل حالياً في القطاع، وأمطرت محيطه بالقذائف، وقصفت مدرسة طارق بن زياد القريبة التي كانت تؤوي مئات النازحين، ونبشت مقبرة قريبة وخرّبت قبوراً لموتى ونثرت عظامهم وسرقت عدداً من الجثامين، ثم انسحبت بعد اشتباكاتٍ عنيفةٍ مع المقاومة.

في الصباح تبيّنت آثار الجريمة، وما زال الناس يستخرجون جثامين شهداء ويحاولون إسعاف بعض الجرحى يُنقلون محملوين بين أذرع بعض الشباب المتطوعين، أو على كارّات تجرّها الحمير. وأحُصي من شهداء حصار مشفى ناصر حتى الآن 19 شهيداً، ومن كشفٍ بأسمائهم نعرف بينهم أباً وطفلاته الثلاث: هبة وسوزان ودانا أحمد جميل النمروطي، كانوا عائلة نازحة، صاروا عائلة شهداء.