ظهر اليوم الخميس، اليوم 111 على الحرب بعد تجويع الناس شمال وادي غزّة حد تناقلت الأخبار أن بعضهم أكل لحم الحمير والقطط، وشاهدنا آخرين يطحنون علف الدواب ليعدّوا منه خبزاً لأطفالهم، قيل للناس إنّ شاحنة مساعداتٍ تحمل الطحين قادمة، فهرع الآباء المقهورون بجوع أطفالهم لانتظارها عند منطقة دوار الكويت التي تعسكر قوات الاحتلال على مسافةٍ قريبةٍ جداً منها مخاطرين بأرواحهم، فالطحين نادراً ما يتوفر.
وبعد تجمهر الآلاف انتظاراً للطحين، أمطرهم جيش الاحتلال بقصفٍ مدفعيٍّ كثيف وبرصاصٍ من القناصة وطائرات “الكواد كابتر” المسيّرة، ليرتقي منهم 20 شهيداً ويصاب 150 آخرون. عدد الشهداء الجرحى معرضٌ للازدياد، فنيران الاحتلال منعت وصول طواقم الدفاع المدني لانتشال المصابين ما يعني أن هناك احتمالاً لوجود جرحى لم يجدوا من يسعفهم، أمّا عن عدد الشهداء، فالضعف الكبير في الإمكانات والكوادر في النقاط الطبية التي اكتظت بجرحى الاستهداف، يعني أن من جراحهم خطيرة قد تتوقف قلوبهم في أية لحظة.
ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، فقد استهدف جيش الاحتلال الناس وهم ينتظرون المساعدات 3 مرات على الأقل خلال الشهر الماضي، لكن هذه المرة هي الأعنف وأوقعت العدد الأكبر من الضحايا، في تصعيدٍ خطير في سياسة حصار الناس وتجويعهم، مع تقليل عدد شاحنات المساعدات (القليلة جداً أصلاً) بشكلٍ واضح، والتسبب في إحداث حالة فوضى في التوزيع عبر استهداف جهود الحكومة الفلسطينية هناك لمحاولة تنظيم استقبال المساعدات وتوزيعها وقصف عناصرها وهم على رأس عملهم.
وحين نقول “مساعدات” لا يتخيلنّ أحدكم أن ما يدخل يساعد الناس حقاً، بل هي بضع كراتين من علبٍ غذائية وأكياس طحينٍ قليلة ومعدات طبية بسيطة لا تكفي لشيء، إنما هي حجّة شكلية تتحجج بها “إسرائيل” لتقول إنها تخوض حربها وفق “القانون” ولكي يرضى العالم عن “جهوده الإغاثية”. ولكي نتصور حجم العجز الإغاثيّ في قطاع غزة عموماً وفي الشمال تحديداً، يكفينا أن نقرأ خبراً يفيد أن “برنامج الأغذية العالمي” قام بتوزيع اللحوم المعلبة والبسكويت ودقيق القمح على 13,250 شخصاً في الشمال، هؤلاء الـ13,250 شخصاً، والذين طالتهم المساعدات، لا يمثلون سوى 2.65% من تعداد السكان هناك!
فنحو نصف مليونٍ إنسان ما زالوا في شمال وادي غزّة رغم إجرام الاحتلال غير المسبوق بهم وحصارهم وتجويعهم، لا يملكون اليوم أدنى مقومات البقاء بعد أن قصف الاحتلال كل ما يلزم للحياة. في الشمال لم يبق حتى مخبزٌ واحد يعمل، يشتاق الناس صوت الأذان فقد قصفت أغلب المساجد، يشربون المياه المالحة معظم الوقت، وطبعاً لا يجدون الكهرباء، ويتكرر انقطاع الاتصالات عنهم وعزلهم عن العالم، وحين تصلنا أخبارهم وصورهم، نرى أحدهم مصاباً على الشاشة يبكي بقهر الرجال: “كنا رايحين نجيب طحين لأولادنا.. قصفونا”.
