في ليلة الجمعة خرج علينا المُلثّم الناطق باسم آمالنا من النّهر إلى البحر، ليُعلِن انتصارَ المقاومة في هذه الجولة.. كيف لهذه القلّة القليلة، ممن تشغل 360 كيلومتراً مربعاً، محاصراً من كلّ مساماته، أن تُقاتِل بكلِّ كفاءة وتُرضِخُ دولةً كانت لوقتٍ قريبٍ أسطورةً لا تُقهر في أوهام من وهنوا واستكانوا؟
سيقول المرجفون في المدينة: لا، هذه مبالغات، ما زال الاحتلال موجوداً.
وهذا صحيح، ما زال الاحتلالُ موجوداً، لكن على حافتِه، كلُّ نصرٍ اليوم يُراكم على أخيه، كلُّ مرحلةٍ نُنْجِزُها تُسلِّم للتي بعدها. كلُّ أملٍ نصنعه يُحَوِّل أيامَنا مطايا لِمُنتَهاه، سيقول الذين أبرد التحليلُ العقلانيّ أعصابَهم إنّ الأملَ خطير لأنّه يخلق الصدمات.
لكننا في صدمةٍ منذ أكثر من سبعين سنة، وليس لدينا ما يصدِمُنا أكثر. لِتَكن محاولتُنا الأخيرة ولنأخذ أملَها إلى مداه. قبل أن يُحولونا لمتحف الشّعوب المنقرضة نُحوِّلُهم لمصير الجبابرة المنكسرين، قبل أن نموت ونحن نخشى خيبة الأحلام أن نموت ولدينا أحلامنا نحرسها، ونوّرِثُها، أو حتى نراها وهي تتحقق أمام أعيننا ولو ليومٍ واحد، نرمِشُ في وجهها، نبتسمُ ونموت.
قلبت هذه الجولةُ كلَّ شيءٍ؛ فتحت أفقَ المواجهة دفعةً واحدةً لتُصبح لدينا روحٌ جامعة تجعل من فلسطين كلّها، حقيقةً لا مجازاً، معركةً واحدة، قضيةً سياسيّةً يقع في داخلها الهمُّ المعيشيّ ولا يتقدمها.
هل هذا هدفٌ كبير؟ في الواقع هذا هو الهدف الأهم، وقد أنجِزَ من يومه الأول. دخلت المقاومةُ هذه الجولة مُراكِمَةً على انتصارات القدس وليس حمايةً لضعفها، وكأنّ روح الشّباب المقدسيّ مدّت يدها للصاروخ، ووضعت منصة إطلاقه، ووقفت ترقب سقوطه قرب مُنجَزِها الجديد.
تماماً مثلما أخذ ابن الأراضي المحتلة عام 48 شعلةً من هذه الروح، وأشعلَ بها شوارعه متجاوزاً سقفَ اللعبة مهين الانخفاض الذي تسكن تحتَهُ قيادتُه. هناك في أراضي الـ48، وقفت القيادات على الرصيف وركض النّاسُ في الشوارع.
اليوم ليس لدينا دليل أوضح مما جرى بأن الواقع قد يسبق الخيال، وبأن الوحدة الوطنية لا تشترط علينا أن نخضع لفريق سلطة المقاطعة ونهرول للقاءات القاهرة بلا جدوى. إنّ الوحدة الوطنيّة الحقة هي ما يجري أمامنا من التفاف لكلّ الفلسطينيين حول أملهم الجديد، وما سواها دعوات مشبوهة.
لم تكن “إسرائيل” أوهن في أعيننا مما هي عليه اليوم، ولم تكن المقاومة بكل طرقها مرتفعة بأعيننا مثل ما هي عليه اليوم. لنقبض على هذه اللحظة ونبدأ… فقد اقتربنا.
