عصر الثلاثاء، الأول من رمضان، أغلق الاحتلال مدرج باب العامود في القدس بالسواتر الحديدية لمنع الناس من الجلوس هناك، كما اعتادوا في ليالي رمضان. وكان حضور باب العامود قد تعزز في السنوات الأخيرة كحيز فلسطينيّ عربيّ يجمع النّاس، ويحتضن نشاطاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ليلاً، وبعد خروج النّاس من صلاة التراويح في الأقصى، وعند باب العامود اعتدت شرطة الاحتلال عليهم بقنابل الصّوت واعتقلت عدداً من الشّبان. تكرر القمع والاعتداء ذاته الأربعاء والخميس واليوم الجمعة، واشتدّت حدّته واتسع ليصل كذلك محيط باب الساهرة، فيما سُجّلت عشرات الإصابات.
ينتظر النّاس في القدس رمضان من كل عامٍ بلهفة، إنّه موسم يتكثف فيه الحضور العربيّ في المدينة المحاصرة، وتزدهر فيه التجارة. هذا العام جاء رمضان بعد سلسلة الإغلاقات والقيود بحجة “كورونا”، فكانت اللهفة أكبر، ولوحظت أعداد الناس المتزايدة.
لكن، بالنسبة لـ”إسرائيل” إذا كان لا بد من “السماح” لبعض الفلسطينيين بالصلاة في مسجدهم، فليفعلوا ذلك ويعودوا إلى بيوتهم فوراً، كل إلى همه الفردي، ولا مصلحة لها في السماح لهم بإحياء المدينة وإعادة نسج ما تحاول تدميره من علاقات بينهم، إلا بالشكل الذي تُشرف هي عليه وتُخضعه لتصاريحها.
لا تريد “إسرائيل” للفلسطينيين أن يمتلكوا القدرة على استعادة أماكنهم المسلوبة ولا أن يرمموا شتاتهم. لذلك فإن أي تجمع، مهما كان عفوياً، يهدد أجندتها في تفكيك مجتمعنا ويعطل فرض سيطرتها الكاملة، خاصّةً في القدس؛ “عاصمتها” المزعومة، حيث تكثف أدواتها لاختراق ما تبقى من وجودنا.
يُريد الاحتلالُ القدس مدينةً مفككةً لا يرفع النّاسُ لهم فيها راية، ولا يجمعهم فيها مكان، أو بتعبير أهلها: “بدهمش الناس تتجمع”. هذا ما يُحركهم في قمع باب العامود والأقصى، لكن هذا ما يعني كذلك أنّ القدس بأهلها جاهزةٌ على الدوام لأن تكون ساحةَ مواجهةٍ يوميّة.
