عن ديار الحولة، بحيرتها وسهلها، طيورها وجواميسها، رزّها وحصيرها، وأهلها الذين تلوّنوا بلون الشمس.. عن ديارٍ عامرةٍ خرّبوها، ظلّت قصة حالها وأهلها قصيّةً من ذاكرتنا كفلسطينيّين..
ديار الحولة
كان يا ما كان، قبل النكبة والاستيطان، كانت في الجليل شمال فلسطين ديارٌ سمّيناها الحولة، على شمالها جبل الشيخ وبانياس السوريين ومن الغرب جبال عامل اللبنانية، ضمت بحيرة وسهلاً ومستنقعات.
سُمّي أهل هذه الديار الغوارنة، لوقوع ديارهم على خط الغور الأعلى، ومنهم مَن أصولهم تركمانية وكردية ومغاربية، وتوزعوا في عدة قرى أعرقها “الملّاحة”.
“جورة الذهب”
امتد سهل الحُولة في مساحةٍ قُدّرت قبل النكبة بـ180كم2 وكان يجود بخيراتٍ تكفي لإطعام كلّ أهالي أقضية صفد وبانياس ومرج عيون، ومما زُرع به: القمح والشعير والأرزّ والفول السودانيّ والذرة الصفراء “الدُخنة”.
“مربط الماء”
في سهل الحولة كان ملتقى 3 أنهار تنبع من سوريا ولبنان، مشكّلةً معاً نهر الشّريعة (الأردن) الذي كان يقطع السهل ليصبّ في بحيرة الحولة ثم يواصل طريقه لبحيرة طبرية.
أسماك الحولة
سُميّت بحيرتها بأسماء عدة منها “سمكون” لكثرة وتنوع أسماكها، ومن أشهرها سمك “البَنّي” الذي كان صعب المنال، وسمك السلّور الذي ارتبط بأكلة “صيّادية الغور”، مطبوخة بأرز سهل الحولة.
وطيورها..
كانت ديار الحولة وبحيرتها مقصداً لأنواع مختلفة من الطيور، ومن أحبّها لقلوب الغوارنة “الغُرّي” المهاجر. لونه أسود وحجمه مثل الدجاج، أقام عليه الغوارنة ولائمهم، وغنّوا له:
“يا طير الغُرّي البريّ … سلّمتك أمري وسري…”
وجواميسها
تقريباً، لم يُقتنَ الجاموس في كلّ فلسطين إلّا في ديار الحولة، كان لا يهجع ولا يبرك إلّا في مياه بحيرتها وبرك سهلها، واشتهر الغوارنة بحليب الجاموس ولبنه وسمنه.
“من البابير يا حصير”..
اشتهرت ديار الحولة بحصير “البابير” الذي كان ينبت في برك غابتها، والبابير نباتٌ يشبه القصب لكنه أرفع منه، كانت النساء تصنع منه السلال والحصير الذي كان يجول أسواق فلسطين.
هذا المشهد العامر بالحياة انتهى بحلول النكبة وتهجير الغوارنة من قراهم وتجفيف بحيرتهم وبرك سهلها.. هذا المشهد مُحي إلّا من ذاكرة من عاشوه وظلّوا يتذكرون طعم ديارهم وخيراتها رغم طول السنين..
