كان شروق الشمس يوم أمس الثلاثاء، 9 أيار، باهتاً. سكون ساعات الليل الأولى استحال مرةً واحدةً إلى صخبٍ صاعقٍ يُلمح في حمرة شرايين عيون الناس التي لم تنم. الشوارع فارغة، والمحال مغلقة. أصواتُ مذيعي الأخبار تهبط من كلِّ شباكٍ وتتسلّل من كلِّ باب إلى آذان العابرين، وتدعوهم لشيءٍ واحدٍ فقط: الحزن العميق.
طفلٌ يستنتج: لا يتألم الشهداء..
يُشير طفلٌ إلى بيته القريب من منزلٍ مقصوف ويقول بحيويّة مفرطة: “كنت نايم وفجأة حسيت بحاجة بتسحبني لتحت مثل المغناطيس”. يُعيد تمثيل المشهد، ثمّ يتابع: “يعني الصواريخ لما تكون قريبة منك ما بتسمع صوتها ولا بتحس فيها! هيك الشهدا بموتوا بدون ألم، صح؟”
يتقربون إلى الله بالشهداء..
قبالة كلِّ رأسٍ معصوب بالأبيض رأسُ حيٍّ يُمطره بالدمع كأنّه يحاول إعادته للحياة. تتحرك الجنازة، تختلط الأصوات، يشرح أحد المشيعين بصوتٍ مسموعٍ معنى المشاركة في جنازات الشهداء: “لا نعرفهم، لكن نحبهم.. حملوا عنا الكثير، لذا، حق علينا أن نحملهم، وأن نمشي معهم تقرباً إلى الله عبرهم وبهم”.
شهيدٌ زرع الابتسامات لوجه الله..
بعد أن دفعته الأكتافُ التي تحمل الجثمان، نجح رجلٌ مسن باستراق نظرة لوجه الشهيد البارز بصعوبة، ثمّ مسح عينيه فوراً كأنه يودُّ أن يحذف من ذاكرته ما رآه: “ما تعودت أشوف وجه الدكتور جمال هيك!”. يفرج بين شفتيه بأصابعه ويُظهر أسنانه: “شايف هدول الأسنان؟ كلهن ركبهن إلي الدكتور جمال لوجه الله!”.
حمل همّ الناس.. فحملوه..
من المنازل المحيطة يهبط نواح والدة الشهيد خليل البهتيني على مسامع المعزين في الشارع: “والله من بعده بيّن الألم”. قضى خليل السنوات الماضية محاولاً توفير ما يمكن أن يُخفّف عن أمّه آلام السرطان، وكان يُخاطر بنفسه لأجل أن يُسلّم عليها. تبكي والدته: “خليل إلي بحمل هم الناس، الآن الناس حملته”!
“أحسن استشهدوا مع بعض”..
يتتبعّ الطفل جمال أسامة الزبدة جثمان صديقه علي المسجّى قرب والده الشهيد طارق عز الدين، عزاؤه الوحيد أنهم “استشهدوا مع بعض، أحسن بيضلوا هم التنين مع بعض عايشين في الجنة” ولم يبق يتيماً مثله. يقول وهو يضيف اسماً جديداً لقائمة الشهداء الذين يحبهم: والدي، خالي، جدي والآن صديقي علي.
كانت عروساً واحدة.. صارتا عروسين!
بعد نحو شهر كان يفترض أن تُزف دانا عدس (19 عاماً) إلى عريسها، لكن حلماً خطفها من ذلك. يقول والد الشهيدتين إنَّ إيمان (14 عاماً) حلمت بأنها ترتدي هي وأختها فساتين بيضاء. ضحك، وقال لها في حينه: “بس أختك العروس!” يعاتب نفسه الآن: “كان كلامك صح يابا”.
كسرٌ يلتم حوله الناس لجبره..
يرتل مشيعٌ وهو يعتلي مسطبة ليطل على الجنازة، آية: “خَلق الإنسان من صلصال كالفخار”. تعطي لفظة الكسر معنى أدق لحركات الناس حول أهالي الشهداء، فتبدو الأذرع التي تطبق عليهم كمحاولة لحفظهم من الكسر، أو خشية أن يتكرر الكسر.
