بعد قمعِ السُّلطة الفلسطينيّة للناس الغاضبين من اغتيال الناشط نزار بنات، شارف مخزونُها من أسلحةِ فضّ المُظَاهرات (الغاز وقنابل الصوت) على الانتهاء، فبعثت لـ”إسرائيل” طلباً لتجديده، تحسباً لمظاهراتٍ جديدة.
حتى ذلك الحين، وفي ظلّ ضغط المانحين الدوليين -وربما بإرشادٍ منهم – لجأت السّلطة إلى وسائل قمع أخرى غير مباشرة، عنوانها الأبرز: الاستفراد.
تريد نخبة السلطة أن تكمل دورها في “تأديب” الناس، ولكنها شعرت أن القمع المباشر سيُكلّفها كثيراً، لذلك لجأت إلى “السماح” ظاهرياً بالتظاهر، ومن ثم أكملت قمعها بالاستهداف الشخصي لبعض الفاعلين، والاستفراد بهم، وإدخالهم في متاهات ملاحقة طويلة تُكسبها في بعض الأحيان صفة “مخالفة القوانين”.
تستند السلطة في غالب تلك الإجراءات إلى ما هندسته نخبتُها في العقدين الأخيرين من سياساتٍ أمنيّة واجتماعيّةٍ وشبكة علاقات تخدم مصالحَها وتضمن بقاءها.
رأينا ذلك في اليومين الأخيرين، بدءاً من مواصلتها العمل على تفريغ المساجد من فاعليتها السياسيّة واستهداف من يعاكس هذا التفريغ وهو ما يدلّ عليه اعتقالُ الصحافيّ علاء الريماوي بعد خطبةٍ للجمعة ألقاها قبيل جنازة بنات، وتحديد موضوع الخطبة مسبقاً.
ثمّ مروراً بأدوات الترهيب واستخدام فزّاعة “الفلتان الأمنيّ” من خلال نشر عناصر مسلحة وملثمة على مداخل رام الله، وحتى ممارسة سيادة متخيلة بمنع أهالي القدس والداخل من الوصول للمظاهرات، وليس انتهاءً بتغول السّلطة التنفيذيّة على القضائيّة لتصدر ما يُطلب منها من قرارات.
ويُعينها في ذلك جملة من مثقفيها وإعلامييها وشبيحتها الذين قادوا حملة تحريض وتشكيك، بدءاً من التحريض المباشر، مروراً بـ”شكر أجهزة الأمن لأنها ضبطت نفسها”، وليس انتهاءً بمحاولة تحديد سقف “للمقبول” وغير “المقبول” في شكل الاحتجاج في محاولة لضربه وفضّ الناس من حوله.
وهكذا، بعد أن أفرغ الأمن بطشه على أجساد المتظاهرين والمتظاهرات في الأسبوع الأخير، وفعّل أدواته في التحرش وسرقة هواتفهم، يتفرّغ الآن لضرب رموز الاحتجاج والفاعلين، ويستفرد بهم سعياً لقمع حالة الاحتجاج كلياً، ولتحويلهم إلى أداة يُخوّف بها الناس ويحذّرهم من أن ينالوا “المصير” نفسه.
