بعد حوالي شهر من التصعيد بين فصائل المقاومة والاحتلال، وصلت الأمور أمس إلى تهدئة مشروطة بعودة الأمور إلى سابق عهدها وتحسين بعض الظروف المعيشية بقطاع غزّة. يشمل ذلك إعادة مجال الصيد إلى ١٦ ميلاً، وزيادة وتمديد المنحة القطرية وتشغيل خط ١٠٦ لإمداد غزة بالكهرباء، وبنود أخرى.
بعد حرب ٢٠١٤، وجدت المقاومة نفسها في وضعية مرهقة من التصعيد و”التفاهمات”؛ وضعية حصرت المقاومة ضمن معادلة مستنزفة من القتال لتحسين ظروف المعيشة. وبدلاً من أن يتحمل الاحتلال تكاليف ذلك كونه المتحكم بالأرض والماء والهواء، وجدت المقاومة نفسها تتحمل ذلك كضرييبة حتمية للاحتفاظ بالسلطة.
لا شك أن تحسين ظروف الحياة اليوميّة للناس في قطاع مخنوق بالقبضة الإسرائيلية أمر مطلوب، إلا أنّ تكرر هذه التفاهمات مع كل موجة تصعيد أو حرب، يوحي باستراتيجية إسرائيلية لإدارة الحياة تحت الحصار لا أكثر.
توحي تلك التفاهمات أنّ ما يجري فعلياً هو محاولة تحسين شروط الحصار، لا إنهاءه. في هذا السياق، علينا أن نذكر أن الحصار لشعبنا نتيجة متلازمة لوجود “إسرائيل” ومقاومتها، فلا يمكن أن يكون “إنهاء الحصار” هدفاً معزولاً عن هزيمة “إسرائيل”.
وهكذا، بينما تحاول فصائل المقاومة تحسين شروط الحصار من خلال التفاهمات، تدير “إسرائيل” الحصار بإبقائها على معادلة عزل غزة عن الضفة الغربية، والاستثمار في هذا الشرخ الجغرافي سياسياً.
ضيقت هذه الوضعية من أفق المشروع الاستراتيجي للمقاومة وحولها من حركة تحرر بمطالب سياسيّة تحررية تشمل فلسطين كلها بكافة قضاياها الحيوية ليحصرها جغرافياً في القطاع، ويحصر قضية غزة نفسها بالمسائل الحياتية: المعبر، والكهرباء، ومساحة الصيد، والمنحة القطرية، وغيرها.
أصبحت هذه القضايا على أهميتها هي الاستراتيجية الوحيدة في أفق مقاومة راكمت سنوات طويلة من الإعداد العسكري والقوة التي لا يستهان بها. يجري هذا كله في وقت تستفرد فيه “إسرائيل” بباقي ملفاتنا السياسية، وتتوغل في تصفيتها: القدس، واللاجئين، والأسرى، وضمّ الأراضي في الضفة.
نحن في لحظة في أمس الحاجة فيها لقيادة وطنية مقاومة، تأخذ على عاتقها تمثيل المشروع الفلسطيني التحرّري بحلمه الأكبر، وقادرة على تجاوز الاستراتيجية التي رسمتها “إسرائيل” في تفتيتنا وخنقنا ببطء، وجعل سقف طموحاتنا تحسين شروط قيودها.
يحتاج هذا إلى مخيال سياسي وإرادة، وتخفف من شكل الحكم الذي ورثناه عن أوسلو، وإتاحة المجال للناس أن تبتكر في التعبير عن غضبها. لا أن تدرج كل مبادرة شعبية، مثل مسيرات العودة والبلالين الحارقة، داخل المعادلة التي رسمتها “إسرائيل” في التفاوض على بنود حياتية داخل حصارها الأكبر لنا.
