الطفل أمجد أبو سلطان (16 عاماً)، استشهد في أكتوبر الماضي بالقرب من بيت لحم، واحتجزت قوات الاحتلال جثمانه لأكثر من شهر في محاولة نعرفها لاستهداف رمزية الشهادة ومكانة الشهيد، تممتها السلطة بعد الإفراج عن الجثمان، باعتداء أجهزتها على الجنازة ومصادرة وتكسير راياتٍ رفعت خلالها.
اليوم، يتكرر المشهد أكثر فداحة ووقاحة، الشهيد جميل الكيال الذي لم تبرد دماؤه بعد يُعترض تشييعه ويُفرّق الحشد الذي التف حول نعشه بزخات رصاص تستهدفهم، وتستهدف حناجرهم الهاتفة للشهيد، تماماً كما فعلوا ضد جنازة مخيم برج الشمالي في لبنان، مع إضافة القتل هناك.
هذه جولةٌ أخرى -ربما أكثر فجاجة فقط- من حرب السلطة علينا. من أوضح مشاهدها مؤخراً تحويل استقبال الأسرى المحررين من مناسبة احتفاء وفخر وطي لصفحة الفراق ولوعته، إلى لوعة أخرى تدمي الأسير وتصدمه (وتُغميه بأثر قنابل الغاز)، يُطارد فيها المحتفلون وراياتهم ويضربون بغلّ يُدخلهم المشافي.
وبين هذا وذاك، لم يتوقف عداد الاعتقالات التي تشنها السلطة الفلسطينية بحق أسرى محررين ونشطاء، وما يصحبها من تعذيب وضغوطات، وابتكار للتهم، وامتناعٍ عن تنفيذ قرارات المحاكم بالإفراج، في امتدادٍ لجريمة اغتيال نزار بنات بعد اقتياده من فراشه فجراً، وما سبق ذلك من تاريخ طويل من القمع.
منذ ولادتها، لم تكف السلطة الفلسطينية عن قتل النضال ومعانيه ورمزيته. قزمت قضايا الأسرى وحاربت إضرابهم، وحولتهم من مناضلين لـ”حالات اجتماعية”، يصطفون بطوابير الانتظار لتلقي رواتبهم، يُلاحقون في رزقهم ونشاطهم وأحبتهم، ويعاقبون كلّ يوم- من أبناء شعبهم- على فعلهم المشرّف ضد المحتل.
أما جنازات الشهداء التي طالما شكّلت رافداً نابضاً بمعاني الحشد والوعي النضالي والسياسي، فقد تغاضت السلطة عن قداستها وتجاوزت ما تبقى من خطوط حمراء في حرصها لتكون “رايتها” و”سلاحها” هو الأعلى، والأوحد، وما يندرج مع ذلك من إخمادٍ لأي وجود للمقاومة أو حتى روحها.
ازدادت شراسة هذه الحرب مع حاجة السلطة للتأكيد على “جدارتها” بأداء وظيفتها كحارسٍ لمستوطنة “إسرائيل”، وذلك في ظل إلغاء الانتخابات، وتصاعد حضور المقاومة شعبياً وتنظيمياً، خاصة بعد الهبة الشعبية. إنها معركة بقاء السلطة ضد بقائنا، حرب الفاسدين والمنتفعين على ما تبقى لنا من فلسطين.
