بعد عقود لم يغب فيها عن أي ميدان من ميادين مقارعة الاحتلال ونصرة المظلومين، فقدت فلسطين اليوم الشيخ سليمان الهذالين (70 عاماً)، من قرية أم الخير (جنوب الخليل). فارقنا الشيخ سليمان بعد دهسه وجرّه لـ10 أمتار من قبل إحدى آليات الاحتلال، والتي تصدّى لها بعد أن اقتحمت قريته.
بعد أن هُجِّرت عائلته في النكبة من عراد شرق بئر السبع، وجد نفسه معرضاً وأهل قريته للتهجير مرةً أخرى من أراضيهم ومنازلهم. تغوّل الاستيطان في محيط القرية حتى لم يعد يفصل بين منزله وبين المستوطنة القريبة سوى سلك شائك وبعض أشجار الصبر التي انعكست رمزيتها ومعانيها على روحه وعزيمته.
كما سيّج الصبر محيط منزله، سيّج الشيخ سليمان القريةَ بصموده وإصراره، إذ لطالما وقف في وجه جرافات الهدم والمصادرة، وأمام أسلحة الجنود مُتحمّلاً مراتٍ من الاعتقال والإصابة.
كان لرجلٍ مثله أن يكتفي بالهمّ الثقيل لمنزله المكون في غالبه من الزينكو، وهمّ قريته الصغيرة النائية، لكن عزيمته كانت تمتد لتحمل أكثر وأكثر. ذلك الرجل قوي الإيمان والإرادة، لم تعرفه أم الخير فقط، بل عرفته كل مسافر يطا، وكلّ مناطق جبل الخليل المهددة بالاستيطان.
عرفته أيضاً ميادين مناصرة الأسرى. كان يحفظ أسماء المضربين رفضاً للاعتقال الإداري، ولا يوفر منبراً للدعوة لنصرتهم بالتظاهر وإغلاق الشوارع، حتى لو كان وحده الواقف في الميدان. وهو ما انعكس في جملته التي يرددها أينما حل: “الله أكبر ولله الحمد، اللهم حرّر الأسرى والمسرى”.
إزاء تلك السيرة الغنية بالنضال والصمود مهما اشتدت الظروف، كان الشيخ عزيز النفس كريماً زاهداً متواضعاً، لا يقصر في رعاية أهله، ولا يمنعه عذر عن نصرة المظلومين مهما قلت الحيلة. رُوي عنه أن عدم توفر سيارة له في يوم جنازة نزار بنات لم يمنعه من الوصول إليها مشياً على الأقدام.
تودّع فلسطين اليوم رجلاً صلباً أمام غطرسة الباطل، لم يستوحش من وعورة الطريق وقلّة الرفيق، بل كرس حياته وجهده في مقارعة الاحتلال حتى فارق الدنيا وهو على ذات النفس والعزيمة، وفي ذروة مواجهته للاحتلال. على الهيئة التي قضى فيها حياته.. استشهد.
