هذا الرقم هو رقم يُتم، هو عدد الأسرى الذين فقدوا أحد ذويهم خلال عام 2021 (حتى 22 ديسمبر)، دون أن يحظوا بوداعٍ أخير لأبٍ أو أمٍ جفّ قلبها ودمعها من طول انتظارها. منذ 1967 اعتقل الاحتلال أكثر من مليون فلسطينيّ، توفي ذوو كثيرٍ منهم وهم خلف القضبان، لكن لا توجد إحصائية تجمل عددهم.
قمنا بإحصاء هذا الرقم يدوياً، لكن كم ساعة حزنٍ عاشها هؤلاء الأسرى وحيدين على أبراشهم بعد أن جاءهم خبر يُتمهم؟ كم مرة تخيلوا حواراً أخيراً، عناقاً أخيراً، أكلة أخيرة أحبوها من أيدي أمهاتهم، كلمة “الله يرضى عليك” أخيرة من آبائهم.. هذا ما لا يُحصى.
أكثر من ثلاثة أرباع الأسرى المذكورين من ذوي الأحكام العالية، متوسط ما قضوه في السجن 15 عاماً. في الزيارات القليلة والمكالمات الهاتفية المتقطعة، لطالما رددت أمهاتهم بلهجةٍ مرتعشة “نفسي أشوفك بينا يما قبل ما أموت”.. لكن الموت كان أعجل.
كيف يتجاوز الفقد من قضى سنين طويلة يتخيل اللقاء؟ من كان في كل زيارة يعجز عن استيعاب التجاعيد الجديدة في وجه أمه والشيب بلحية أبيه؟ ألم يتركهم أصحاء أقوياء؟ كيف يتخفف الأسير من ثقل فراغ مقعد الزيارة القادمة حين تغيب أمه أو أبوه؟ ثقل الصمت حين تنتهي مكالمته لأهله دون دعوةٍ من أحدهما؟
فور التحرر تكون المقبرة الوجهة الأولى للأسير الذي فقد عزيزاً وهو في السجن، يحتضن حجراً لعل فيه أثراً من رائحتهم، ويبكي كأن ألم اليتم لا ينجلي. “كان صوتك يا أمي محرابي في منفاي، وكل مكان لا تتواجدين فيه هو منفاي”..هكذا وصفت أزهار قاسم هذا الألم بعد وفاة والدتها في 2020 قبل تحررها.
طوّر الأسرى خلال السنوات تقاليد لاحتواء الأسير المكلوم بأحبته وشدّ أزره، يلتف حوله رفاقه وتُقام بيوت العزاء وتُترك للأسير مساحته ليحزن ويجلي الحزن عن قلبه، ثم يؤخذ بيده تدريجياً حتى يعود قوياً محتسباً.
هذا الرقم جمعناه من بيانات النعي المختلفة، ننشره كي نتذكر أنّ الأرقام المجردة لسنوات الأسر تُخبأ خلفها تفاصيل إنسانيّة موجعة، درب الأسرى أنفسهم على تحملها، وكي نتذكر أن فقدهم وأوجاعهم وانتصاراتهم وأفراحهم خاصة وهامة، تهمنا جميعاً، تمسنا جميعاً.
