مشهد مئات المستوطنين يقطعون بأريحيّة الطريق الرئيسيّ بين جنين ونابلس مشياً قبل فترة، أعاد لأهل جنين ذكرى سنوات الانتفاضة الثانية، حين كان تنقل المستوطنين في ذات الشارع مغامرة قد لا يعودون منها، دفعت عدداً منهم للفرار بأرواحهم.. فماذا حدث بين المشهدين؟
“جدوى مستمرة”..
هكذا وصف الشهيد باسل الأعرج نموذج محافظة جنين وعلاقتها مع الاستيطان، بعد أن ساهمت مقاومة أهاليها في أن تخفف عنها جزءاً من عبئها الاستيطانيّ في 2005.
بين أغسطس وسبتمبر 2005
أخلى الاحتلال 4 مستوطنات (جانيم، كاديم، حومش، ترسلة) ضمن خطة شارون لـ”فك الارتباط” في جنين وقطاع غزة. بقيت في ريف جنين 6 مستوطنات و4 بؤر استيطانية، يسكنها مجتمعة أقل من 4000 مستوطن (وفق بيانات 2020).
جاء الإخلاء بعد:
- مقتل مستوطِنْين بعشرات العمليات المقاوِمة (اقتحام وإطلاق نار).
- خوف المستوطنين من التنقل بعد إطلاق النار عليهم في طرقهم.
- ارتفاع تكلفة حمايتهم على جيش الاحتلال.
إخلاء مدروس
أخلى الاحتلال هذه المستوطنات الـ4 لقلّة سكانها وصعوبة توسعتها (الهدف الأساسي للاستيطان) بسبب إحاطتها بكثافة سكانية فلسطينية، وتم التركيز بعدها على توسعة المستوطنات الأكبر والأهم (المحاذية للداخل المحتلّ).
تحاصر المستوطنات المتبقية وتضيّق على قرابة 100 ألف فلسطيني في ريف جنين:
- وتعزلهم عن امتدادهم الفلسطينيّ داخل أراضي 48.
- تسيطر على الطرق التي تربطهم بطولكرم ونابلس.
- تشكل مصدر إرهابٍ مستمرّ لهم (مصادرة أراضٍ وتوسع، اعتداء على البشر والمباني والأرض والحيوانات، وهلم جرّاً).
“حومِش أوّلاً”
بعد إجبارهم على الإخلاء، سكن جزءٌ من مستوطني “حومش” في مستوطنة “شافي شومرون” القريبة في حيّ أسموه “حومش”، ومن هناك انطلقت حركة “حومش أولاً”، التي فرّخت ميليشيات لإرهاب الفلسطينيين.
بعد عامٍ على الإخلاء (أي في 2006)
تأسست مدرسة دينية استيطانية على أنقاض حومش، يؤمها يومياً طلبةٌ من المستوطنات المجاورة، ويزورها مئات المستوطنين باستمرار ويحتفلون فيها بالأعياد والمناسبات، بينما يُمنع أصحاب الأرض (تزيد عن ألفي دونم) من وصولها (بحُجة أنها مناطق عسكرية).
تخاذل السلطة
“من هنا نقولها، إننا سنُنجح هذه الخطوة، فليرحلوا عنا، ولن نبكي على رحيلهم، فليخرجوا من أرضنا ولحمنا ودمنا، نحن لها، سنديرها وننظمها كما أدرنا ونظمنا كل مواقعنا النضالية”. أحمد قريع (رئيس الوزراء حينها) خلال زيارة لجنين (أغسطس 2005).
طوال 16 عاماً، لم تبذل السلطة أيّ جهدٍ لاستعادة الأراضي المحررة وإصلاحها، لا بالمفاوضات ولا المقاومة الشعبية واكتفت ببعض التصريحات.
قصة أخيرة
في مستوطنة ترسلّة مسجدٌ حوّله المستوطنون إلى كنيس. بعد الإخلاء سمّته السلطة (جامع التحرير والجلاء)، ثم تركته مهدّماً مُهملاً لا تقام به الصلوات.
في 25 حزيران 2021 صلّى الناس الجمعة للمرة الأولى منذ 1967 على أنقاضه، (بعد أن صار وشيكاً احتلاله مجدداً من قبل المستوطنين)، وفي الجمعات التالية، منعهم الاحتلال..
