لم يستطع نوح الشغنوبي، العامل في فرق الإنقاذ في مدينة غزة أن يقطع الشارع نحو جثثٍ ملقاةٍ في الشارع، تفصله عنها آليات الاحتلال، فنادى أحد الناجين هناك: “ادفن الجثة بأي أرضٍ هناك، وعلّمها”.
يومياً، ينقل شهود عيان وصحفيون من غزة أخباراً عن العثور على جثثٍ جديدة، بعضها أدركها الجيران أو المارّة فغطوها ببطانيات حفظاً لحرمة الأجساد، وأخرى تُركت كما هي، تمرّ الكاميرا سريعاً على طفل مسجّى على الرصيف تلفه قطعة قماش رقيقة يضم يدين صغيرتين باردتين ويرتدي معطفاً خفيفاً مغطى بالرمل المبلل بالمطر، ثم تنتقل إلى جثمان جدٍ منكفئٍ فوق الركام يبدو وقد فجّ رأسه بحجرٍ من أنقاض بيتٍ كان يؤويه، تحيطه البطانيات لكنه لا يجد من يغطيه في هذا البرد القارس، في هذا الرحيل الموحش.
من شمال غزّة إلى جنوبها تعددت أخبار الجثامين المكتشفة بعد ساعاتٍ أو أيام أو أسابيع من قتل أصحابها. تتعدد أشكال القتل ومواقعه ومواجعه لكن المشترك واحد: معظم هؤلاء الشهداء “مجهولو الهوية”. لعل لهم أحبةً في مكان ما انقطع الاتصال معهم، يظنّونهم معتقلين أو جرحى في المشافي، لعلّهم لن يعرفوا أبداً مصيرهم، ولا ظروف استشهادهم.
بعض هؤلاء المجهولين قد يعرف من معطفه بعد أن تحلل جثمانه، مثل “أبو سرور”، وهو واحدٌ من قرابة 50 شهيداً اكتشفهم الناس في اليوم الـ 116 للحرب مدفونين تحت كومة من التراب والقمامة خلال تنظيفهم ساحة مدرسة حمد شمال قطاع غزة. عُرف “أبو سرور” من معطفه، و “أم سرور” من جلّابيتها السوداء، أما آخرون عثر عليهم داخل أكياس سوداء، تحللت أجسادهم ولم يبق في الأكياس سوى غمامات ورباطات بلاستيكية، فلم تعرف هويتهم ولكن عُرفت جريمة قاتلهم: هؤلاء أسرى أعدموا وأعينهم مغماة وأيديهم وأرجلهم مكبلة.
ادفنوهم بأيّ أرض، كأحزان الناس التي يراكم جديدها على قديمها، يدفنونها في قلوبهم حزناً فوق حزن، وأرض قلوبهم الموجوعة صارت ناراً وحقل ألغام من غضب، سينفجر في وجه عدوّهم وكل من خذلهم.
