ربما لم يعد الراديو  جهازاً مهماً بالنسبة لمن هم خارج السجن، لكن الأسير يرعاه كأنه طفله؛ يُنظّفه باستمرار، ويضعه في مكان آمن كي لا يستطيع أحدٌ كسر تلك النافذة التي يطلّ من خلالها على الخيالات ويسمع كلمات أقرب النّاس إلى قلبه، أو أغنية تُذكّره بمحبوبه ورفاق دربه.

البدايات

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان الأسرى يحظون بساعاتٍ محددة من البث الإذاعي عبر سماعات مكبرة تتحكم بها سلطات الاحتلال، لم يرض الأسرى بهذا التحكم، فهرّبوا الراديو بطرقٍ مختلفة.

استخدم الأسرى الراديو سرّاً ومنحوه اسماً حركياً: “الجحش” واتخذوا إجراءاتٍ أمنية لإخفائه، واستخدموه لسماع الأخبار فقط وتعميمها على بقية السجون.

 

انتزاع الحق بالراديو!

عام 1984 انتزع الأسرى حقّهم بإدخال الراديو واستخدامه علناً في عدة سجون بعد إضرابٍ عن الطعام، وفي إضراباتٍ لاحقة، حصّل الأسرى منتصف التسعينيّات مطلب امتلاك كلّ أسير مذياعاً خاصّاً.

 

“عندما وصلنا الراديو إلى السجن استقبلناه بشغفٍ كبير، كانت الفرحة بمثابة عيد لنا، ووصفها الكثير من الأسرى ذوي الأحكام العالية بأنّها بمثابة نصف إفراج.. كنا ننقل الراديو بين الأقسام والزنازين حسب الأسابيع، ونضعه دائماً على أعلى صوت لنستمع جميعنا إلى البرامج والأغاني”. حسن سليمة/ 30 عاماً في السجن.


اختلفت الإذاعات المسموعة بحسب موقع السجون؛ شمال ووسط فلسطين التقط الراديو أحياناً إذاعاتٍ من سوريا ولبنان ومنها “صوت الثورة الفلسطينية” وفي جنوب فلسطين “صوت العرب” من مصر.


بعد مجيء السلطة أُنشأت إذاعاتٌ محليّة تبث برامج للأسرى وتنقل رسائل أهاليهم، وقبلها لم يكن للأسرى ما يتابعونه سوى الأخبار والأغاني والبرامج الدينية.

عبر أثير المذياع

عام 2011 كانت الأسيرة صمود كراجة ورفيقاتها يسترقن السمع للراديو في الزنازين المجاورة، لتسمع صمود والدتها تهنئها عبر الإذاعة بإتمام صفقة شاليط التي ستتحرر بها صمود ومعظم الأسيرات!


أداة عقاب

يعاقب الاحتلال الأسرى بسحب الراديو، ويتم كسره في كثير من الاقتحامات أو وتفكيكه بحجة التفتيش على رسائل أو هواتف داخله.


يوفر الراديو اتصالاً مستمرّاً مع العالم الخارجيّ يترك أحياناً أثراً ثقيلاً على نفسية الأسرى، حين يُكثر بعضهم مثلاً من الاستماع للأخبار وتحليلها بحثاً عن ما يشير لاقتراب صفقة تبادلٍ تُنهي سجنهم.